علي بن أحمد بن علي بن هبل البغدادي ( ابن هبل )
110
كتاب المختارات في الطب
يقع تحت المنقلبين لأن رأس الميل هناك أقل فيدوم على تلك البقعة وقوع الشعاع المسخن ) ( « 1 » ) ولا برد شديد لأجل تباعد الشمس كالبقعة المتباعدة عن المدارين إلى جهتي الشمال والجنوب ، بل لا يختلف هوائهم اختلافاً كثيراً كالذين تتباعد الشمس عنهم حيناً وتقرب حيناً هذا رأي بعض الفلاسفة ، خاصة رأي الكبير الفاضل أبي علي بن سينا ( « 2 » ) ، وقوله أصح ونحن نعلم علماً يقينياً أن التسخين هناك أقوى مما يلي القسم الشمالي لأن دوام قرب الشمس من مسامتة الرؤوس أشد تسخيناً من بعدها ثم قربها والشمس إذا مالت هناك في الوقتين اللذين نعرفهما لا يتباعد عنهم في المسامتة الا مسافة أقل بل لا تزال أدمغتهم تغلي من مسامتة الرأس الشمس ويدل على أحوال أهلها القياس كما ترى من خلقتهم وسواد جلودهم وتفلفل شعورهم ، وفي ذلك نظر في العلم الطبيعي . وأما بحسب التربة فان البلدان منها جبلية حجرية باردة يابسة ، ومنها تربية آجامية باردة رطبة ، ومنها جصية سبخية حارة يابسة ، ومنها رملية بحرية حارة رطبة ، ومنها شمالية وجنوبية ومشرقية ومغربية فتختلف بذلك طبائعها في حرها وبردها ورطوبتها ويبسها فتختلف طباع أهلها وأحوالهم وأمراضهم فلنذكر من ذلك ما يليق بهذا الكتاب . في المساكن الحارة هذه محللة مجففة يضعف بأهلها الهضم ويقل الاستمراء ويكونون صفر الألوان نحيفي الأبدان شعورهم سود جعدة ، يسرع إليهم الضعف في رياضتهم والهرم في أعمارهم ، وتقصر لفرط التحلل ويكونون غير شجعان لكن ظواهر أجسادهم ناعمة لينة لانجذاب الرطوبة إليها عند التحلل . في المساكن الباردة هذه البلاد مبردة مكثفة مقوية للاعصاب ، يكون أهلها أقوياء
--> ( 1 ) ( ) سقط من « د » . ( 2 ) ( ) أبي علي بن سينا : هو الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا ، الفيلسوف الرئيس من كبار الفلاسفة والأطباء وله مؤلفات كثيرة في الفلسفة والطب . توفي سنة ( 428 ه / 1037 م ) وكان عمره رحمه الله ثلاثاً وخمسين سنة .